معارض الكتب بكليات البنات ..التجهيل بدلا من التثقيف !!

كتبهامـــلاك العسيري ، في 6 أغسطس 2008 الساعة: 14:18 م

تظل العملية التعليمية في حاجة ماسة إلى توسيع مدارك المتعلم بإطلاعه على مصادر تثقيفية أخرى غير المناهج الدراسية التي تتضمنها الخطط التعليمية على مختلف مستوياتها.


مما يفعل لدى الدارس رغبة الاطلاع، و يجلي لديه أهمية تنمية اتجاهاته الثقافية، الفكرية، الإبداعية، النفسية، الاجتماعية… وكذلك تشجيعه على تجاوز المنهج الدراسي إلى غيره لتوسيع معرفته وصقلها في مجال تخصصه عبر مراجع غير مقررة عليه، ولعل ذلك يتأتى ويتأكد من خلال إقامة معارض الكتب بداخل الجامعات والكليات باعتبارها مكاناً مناسباً لاحتواء مثل هذه الأنشطة التثقيفية والتوعوية والتعليمية الهامة. تزداد أهمية محتوى هذه المعارض وضوحاً حين لا يتاح للطالب الحصول على مصادر ومراجع متعلقة بمجاله العلمي لإثرائه علمياً وربطه بمنهج البحث الذي يفترض بطالب جامعي أن يتقنه على أتم وجه، أو على الأقل أن يتعلم كيف يثري تعليمه بنفسه ودون الاكتفاء بالمراجع المقررة عليه..
و هذا ما دأبت عليه كثير من الجامعات لدينا كأسلوب متحضر في إثراء عقول شابة متعطشة لكل معرفة وجديد..

ومن واقع تجربة، فإن ثمة كثيرا من الملاحظات على محتوى تلك المعارض المقامة بداخل كليات البنات - هنا على وجه الخصوص-.. بدون أدنى مبالغة معظم الكتب المتناثرة على أرفف المعارض لا تخلو من مواضيع تنبع من منبع واحد لتصب كل محتوياتها في نفس المصب: فنون الطهو والمطبخ، العناية بالزوج والأطفال، المحافظة على جمال الشعر والبشرة….وإن تجاوزتها إلى غيرها لم تتعد تفسير الرؤى والأحلام، أخطار المعاكسات وكل ما يندرج في قائمتها…، موضوعات موغلة في المحدودية والبساطة، لا تثري احتياجات المرأة العقلية والفكرية ولا تلبي احتياجاتها الثقافية والتعليمية عموماً، تنظر للمرأة ودورها في المجتمع من زاوية واحدة ضيقة، لتحصرها في دور اجتماعي وحيد وضيق جدا! وفي هذا ما يولد بداخلها مفهوماً محدوداً عن ذاتها ويحط من اعتزازها به، فضلاً عن الاستهانة بها كعقل قادر على الإنجاز والتفكير

المادة التي تستند عليها معظم تلك الموضوعات تسعى لأن تجعل منها عقلاً مفرغاً من كل شيء إلا من جسدها، مكرسة بذلك مفهوم الأنثى الدوني وتضخمه في ذات المرأة ( الإنسان )مما يعني حصر أدورها في دور اجتماعي وحيد لا تتجاوزه إلى غيره: دور الزوجة والأم متجاهلة بذلك بقية الأدوار الثقافية والحضارية التي يفترض أن تسهم بها لتلعب دورها البارز في حراك المجتمع الحضاري، وإن كان هذا لا يعني - على الإطلاق - تجاهل أو تهميش أو حتى تحقير دور المرأة الأسري، وبالمقابل لا يعني أن يختزل دور المرأة في هذه المهمة دون سواها..

فاحتياجات المرأة اليوم نتيجة للتقدم البشري باتت متعددة المجالات متسعة النطاق، ومحتويات مثل هذه المعارض ( كوسيلة من الوسائل التثقيفية ) لا ترتقي إليها ولا تسد ولو جزءاً بسيطاً من احتياجاتها، كونها فارغة من المتطلبات التي ينبغي أن تتناغم مع عجلة التقدم!

تطور المجتمعات يتطلب تطور الأفراد ثقافياً وفكرياً، والمرأة فرد من الأفراد، وتكبيل عقول الأفراد بمعارف قاصرة مسبب لانخفاض الشعور الداخلي بالفعالية الحضارية وبالتالي تأخر المجتمع، ، فماذا ستقدم المرأة وكيف ترى فعاليتها الحضارية والمحتويات التثقيفية التي تقدم لها لا تزال قاصرة تغذي نفس المحتوى الذي تجذر في عقلها عن ذاتها منذ زمن بفعل العوامل الاجتماعية والتقاليد السائدة التي لا تزال تئد وجودها ولكن بوجه آخر للوأد الذي عانته في الجاهلية الأولى حين كان التراب سلاح المجتمع لوأد المرأة واليوم غدت الثقافة سلاح المجتمع الفعال لوأدها مرة أخرى لتموت بالجهل..يقول الصادق النهيوم في وصفه لحال الإنسان عموماً في تلك الحقبة التاريخية الجاهلية الأولى: أن الثقافة كانت سلاحاًً مهمته تجهيل الناس وليس تثقيفهم.. وهذا ما نراه مفعلا بوضوح على إنسان اليوم وإن كان في حق المرأة أشد وضوحاً.

معنى ذلك أن الثقافة/ التوعية لن تكون ذات فاعلية إيجابية طالما الوعي الذي تبثه لا يزال وعي مقيد، ذلك أن الوعي المقيد نوع من الهيمنة الفكرية والوصاية على العقول لكونه يحرم الأفراد حقهم في التعرف على أفكار واتجاهات أخرى وبالتالي مصادرتهم في تكوين قناعاتهم الخاصة وإكسابهم الأهلية الثقافية التي تمنحهم النضج المعرفي والثقافي الذي يحتاجه المجتمع، الإصرار الشديد على جعل هذه المحتويات التوعوية والتثقيفية المقدمة للمرأة مؤطرة بنظرة دونية ليست إلا محاولة لتشويه وتسفيه دور المرأة وإغلاق باب من أبواب حقوقها، ، وتقليص قدراتها العقلية إلى أبسط مستوى يمكن الوصول إليه، لأن الكثير- وللأسف - مازال يجهل حقيقة أن النضج المعرفي والثقافي للمرأة في المجتمعات البشرية عموما ليس نضجاً ذاتياً ذا أثر ذاتي محض، بقدر ما هو نضج مجتمع بأكمله

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر