سنراوغ الموت عنك يا درويش !!
كتبهامـــلاك العسيري ، في 15 أغسطس 2008 الساعة: 17:03 م
وهكذا ،
تنتهي إلى أنه ما من شيء في هذا الوجود إلى وهو مهدد بالاصطدام بجدار النهاية ،وما من اصطدام إلا و يتبعه تلاشي !!جدار غريب عميق رسم بعناية في لوحة الوجود ..
بالأمس تلاشى جسد محمود درويش ، تلاشى حين سبق جسده أجسادنا ..سبقها ليلحق بأسراب من كان لهم سبق الاصطدام !غادر درويش في لحظة مباغتة وفي ذات اللحظة أحيى ذكرى نجيب محفوظ من قبله حين مات في مثل هذا الشهر!!اختارت أرواحهم مسار التلاشي ..واختارت روحه الأخرى ذات المسار !
ربما لأن روحه كانت تواقة للقاء من سبقوه ..
ربما لأن رائحته غدت أزكى من التواجد بشعور يلفه عبث البقاء بدنيا يغتصب فيها الوجود بشرف وكرامة .. ربما ..ولربما ..ومع كل ربما فقد اختار درويش الرحيل حين ألهمته روح الشاعر بداخله :
ومن حسن حظي أن أنام وحيدا …
فأصغي إلى جسدي ..وأصدق موهبتي في اكتشاف الألم ..
فأنادي الطبيب
قبيل الوفاة بعشر دقائق / عشر دقائق تكفي لأحيى مصادفة ،
وأخيب ظن العدم !
من أنا ؟! لأخيب ظن العدم ..
من أنا ..من أنا؟!
بروح شاعره خيب روح العدم ..راوغه..تسلل بلطف من بين أنيابه ..فسرت روحه مسار تلاشي الجسد وبقاء الأثر..راوغ الموت حين نحت حياته كما أرادها أن تكون ، بشعره نحتها لتبقى هي الأقوى في وجه العدم ..وشم لا يمحوه أي تلاش ولا يطمس له أثر ..
ومن العدم ليمحو نحتا قويا كنحت درويش ..من العدم ؟! من العدم أمام كلماته التي أناخت راحلتها وجثا كل شيء بداخلها- قداسة اللغة وقداسة المعنى- في الديوان الشعري كعلامة وطنية ونضال صامد يهتدى بها في عالم موحش، روائعه شكلت جانبا مضيئا جديدا في المواجهة -وبقوة -لوجود معتم وطريق حياة بائسة محفوفة بقتل واستلاب وتشتت وضياع غدت صفات سائدة في خلايا الجسد العربي المنهك ، الحياة حين تكتظ بكل هذه الصراعات تجلي فعالية الإنسان الحقيقي ، تجلي قيمة الإنسان العظمى و تشكلها من عجينة المعاناة ، وهل الإنسان إلا أسطورة الحياة تخلقها أصابع المعاناة ؟!
ليس أحد من البشر بمعزل عن مدرسة التجارب الكبرى ..فيها يتعلم ومنها يصنع عقله ويرسم فكره ..الحياة هي الصفحة البيضاء التي تجلي حقيقة الإنسان ، منذ اللحظات الأولى يبدأ الإنسان بخط سير وجوده على صفحة زمنه البيضاء ، كل إنسان ملزم – لا محالة – بوضع خط بنفسه مهما كانت قيمته وجودته ليترك له في هذه الصفحة أثرا ..فهي – الصفحة- ما كانت ولن تكون حكرا لأحد دون آخر ،تتمازج – أخيرا – تلك الخطوط وتتشابك كاملة فتصوغ أروع اتحاد سطرته أيادي البشر ،،
بمشكلاتها وعقباتها وصعوباتها تكمل صورة الإنسان ..قد تصهر وجوده..قد تسحقه .. قد تنصب له فخاخ اليأس وتفتح أمامه منافذ للعدم وأخرى للانهيار …كل هذا لأن تعطي الإنسان بداخله فرصة أكبر ليتأمل نفسه ، يتأمل غيره ، وهو يكابد مر البقاء ويتلمس فيها خيوط الهناء!
الحياة – بمعاناة – تصنع الإنسان لتجعل منه كائنا متميزا عن غيره ، كل فرد له نمطه ولونه الخاص و لذرات تجاربه ومعاناته صادق الأثر في ذاك.. ولأن درويش عاش المأساة الفلسطينية ، رضع صديدها منذ الطفولة ، كان لأثره أصدق شعور وأقوى معنى، شعره لم يكن محض كلمات وطلاسم جوفاء، لكنه الشعر المحمل بالحس الإنساني الصادق الممزوج بحقيقة الموهبة والمذاب تحت مطارق المعاناة ..منطقة الجرح التي درج بجوفها حفرت بداخله وعي عميق بالحرية ،المنظار الذي به يرى الإنسان كل الصلاحيات المتاحة له في نظام الكون ،و التي يستحقها الإنسان ليحيا بشرف ..ليتنفس بشرف..ويتحسس كرامته في المنظومة الإنسانية وبقوة.. درويش حقق وجود إنسان الحرية الذي كان هنا وارتحل رغم مظلة الاستلاب التي اكتنفت محيطه ولا تزال ، تنفس درويش بشعره – كوسيلة طبيعية - فالارتباط بين الأدب والحرية ارتباط عتيق ، عتيق جدا في تاريخ الإنسانية ، فحين يعدم فعل الحرية على أرض الواقع يلجأ الإنسان إلى عوالم الأدب كتعويض أزلي ، وكرمز للخلود على صفحة الزمن .. ومع ذلك ما أكثر الأدباء في المجتمع العربي الذين غيبوا عن الوجود بفعل قسري،غير أن منفضة الموت لا تصغي لأحد ! تأتي - أخيرا - تنفض عنهم كل حجب كانت تكتنفهم لتعري وجودهم ، فلا غرابة حين نجد الأدباء يموتون فجأة و يولدون في ذات اللحظة وفجأة أيضا!!
ضرب من العبث أن نعلن رحيل درويش ورحيل من سبقوه أمثاله ! درويش أحيا وجوده في حياته وسيبقى بعد مماته رغم انتشار رائحة الموت حول جسده ،وجوده لازال سفنا مشرعة في خضم الحياة ورغم تنحي قبطانها عن الظهور !
خبر رحيل درويش مؤلم ، ففقده فاجعة لا يهدهدها سوى الشعور بوجوده يجوب في ثنايا كلماته..
أي نعي يتردد صداه في هذا العالم يليق برحيل درويش!! سنراوغ الموت عن رحيله من بيننا فروائعه ستبقى هي ..نتحسس فيها وجود إنسان بحرية !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 16th, 2008 at 16 سبتمبر 2008 2:13 م
اقرأ لأجد هنا شيئاً يشبه المطر ..
محمود درويش الشاعر الذي عاش من أجل القضية والشعر ..
صاحب القلم الأخضر مات وفي فمه كلامٌ لم يكتملْ بعد ..
لكن الأجيال القادمة من نبع الأمل ستكمله من أجل أن تبقى القضية والشعر والحداثة عنوانا قدسياً خلده هذا الرجل الطاهر ..
ملاك صدقيني لا يكتب عن الملائكة أمثال درويش إلا ملاكٌ مثله ..
عبدالرحمن عسيري
assiri88@hotmail.com