ما معنى أن تكتب امرأة ؟؟!!

كتبهامـــلاك العسيري ، في 21 نوفمبر 2008 الساعة: 20:33 م

يخبر نزار في إحدى قصائده : أن جرم الكتابة في مجتمعنا العربي غدا أشد من جرم الزنا! ،يعني-بديهيا- أن الكاتب أصبح مجرما ومطاردا ، لذا فهو أشد بؤسا من غيره ، وأقوى خوفا من صاحب الإجرام الحقيقي !يستحيل وجود كاتب في مجتمع عربي لم يتذوق علقم الـ خ ..و..ف

أي خوف..

 و من أي مصدر..

 ففي النهاية الخوف هو الخوف ..

الماغوط الذي لم يتحسس في حياته سوى طعم السوط والسجن كل ذلك لأن جسده عجن من عجينة القلم والكتابة..كان كثيرا ما يردد أن مخزونه من الخوف عظيم وأن الشيء الوحيد الذي امتلكه في حياته ولم يصادر منه هو الخوف ، الخوف  الممتد من المحيط إلى الخليج ، الخوف الذي امتلك منه احتياطي وفير نافس به احتياطي النفط في السعودية وفنزويلا ..

التاريخ البشري حافل بحالات مشابهة ،متكررة ، تجترها ذاكرة التاريخ كل مرة ترسيخا للمعادلة الأبدية المتزنة ( ك ت ا ب ة = خ و ف )..

ومع وجود هذه المعادلة وتجذرها في العقل الإنساني ظلت الكتابة قائمة صامدة ،باعتبارها  مساحة واسعة تجعل العقل الحر يستنشق هواء نقيا وبكل تلقائية حين تلتاث معابر الهواء الأخرى المحيطة !

مصل الخوف لا يعمل عمله في العقل الحر ، يعمل بالأثر العكسي تماما فمضادات هذا المصل في العقل ستجعل من عمله أمرا عكسيا مما يعني أن خوف الكاتب يعني استمراره في الكتابة و مهما كانت العواقب ..

و تحت مظلة الكتابة تتفاوت طبقات الخوف المحيطة ، تفاوت طبقات الخوف هنا لا يعلق أبدا بمحتوى الكتابة ونوع مظلة الكتابة بقدر ما يتفاوت بنوع جنس الكاتب / الجالس تحت هذه المظلة ..

بمعنى أدق :

ماذا لو كان هذا الكاتب من جنس لم يألف عنه المجتمع الجلوس تحت مظلة الكتابة !

ماذا لو كان الجالس تحت المظلة جنس لا يزال مبعدا عن السلطة والمشاركة في اتخاذ القرار ؟!

أو بمعنى صريح :

(    ماذا لو كان الكاتب امرأة ؟!  )

ماذا يعني أن تمتهن المرأة الكتابة لتحيل نفسها من مادة خام للكتابة إلى كاتبة !

في الحقب التاريخية الغابرة وحتى اليوم ظلت المجتمعات البشرية تعارض أن تكتب المرأة ، لا لشيء سوى أن المرأة في تلك المجتمعات مبعدة عن السلطة ومبعدة عن المشاركة في اتخاذ القرارات !

انطلاقا من رؤية غاشمة أوغلت في امتهان المرأة وشككت في قدرتها على فهم الحياة والمحيط الذي يلفها فمنطلق هذه الرؤية نابع من كون المرأة كائن قاصر ضعيف بلا حول ولا قوة ، كائن متطفل لا يعيش إلا على ظهر رجل .. فكيف له أن يكتب ويناقش وليس له من الأمر شيئا ؟!

ظل هذا المنظور الاجتماعي ساري المفعول ..حتى اليوم ،وعلى الرغم من كل ذلك ظهر صوت المرأة في الساحات الثقافية غير أنه ظهر خجولا ولا يزال خاصة في مناقشة القضايا الحضارية / الفكرية / السياسية ..وبالمقابل انتشر في مجال الدفاع عن الحقوق والمطالبة بالإنصاف، أصبح صوت يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الحرية المصادرة من قبل المجتمع والتاريخ ..فأصبح وجود صوت نسوي وجودا واقعا لا يمكن تجاوزه والتقليل من شأنه أو الحط منه ..فالحضور الطاغي للكتابات النسائية (الإبداعية خاصة)  في الساحة اليوم دلالة على قدرة هذا الصوت في فتح ما استغلق في البيوت المظلمة ، وفي تعرية المجتمع من أسماله المزيفة ، وقدرته على كشف ما لا ينبغي كشفه في التقليد الاجتماعي !

أثبتت الكتابات أن للمرأة فن اسمه فن التجريد وفن سحق التزييف لهذا انتهى المجتمع إلى محاولة استهلاك السلاح الأبدي التخويف والترهيب وانطلقت الحملات المنددة بهذا الصوت من منطلق صوت المرأة عورة

وكتابة المرأة صوت ! فالمرأة حين تكتب فهي تمارس فعل تبذل وعهر ..فأولى بكتاباتها أن تصادر وحري بصوتها أن يموت اختناقا ..لذا نجد أن المرأة ستعاني كثيرا ، ستتردد كثيرا كلما حاولت تجاوز بعض الخطوط الحمراء الوهمية التي ينسجها المجتمع وتقاليده حول محيطها، يظل المجتمع لا يتقبل من المرأة أية محاولة للنقد ، محاولة للتغيير أو تصحيح بعض المفاهيم خاصة تلك التي تخصها وبنات جنسها ! لأن في ذلك نزع لغطاء الحياء الذي لا يمكن لامرأة أن تحيا بدونه ! كل ذلك فيما يخص الكتابات التي تنسجها المرأة حول واقعها الاجتماعي وبعض ظواهره ! المسألة ستزداد تعقيدا – بالتأكيد – فيما لو تجاوزت المرأة بقلمها خطا سياسيا أحمر ؟! هل سيقبل الأب – الابن – الأخ – الزوج بقريبته ترتاد المعتقلات وتموج في دوامة سين وجيم ؟! والسبب انتقادها وتجاوزها تلك الأسيجة بجرأة ! النظرة التي يطلقها المجتمع على ( رجل معتقل سياسيا ) لن تكون – قطعا – كتلك التي يطلقها على نظيرته المرأة ! 

ومن هنا تتجلى مبررات تكاثف طبقات الخوف حول محيط المرأة ، و أن رحلة الشقاء الحقيقية تبدأ حين يتوفر لدى المرأة وعي قوي بذاتها الفردية كإنسانة، حين تمتلك قدرة على تأمل هذه الذات الإنسانية وتحليل أعماقها والتعبير عنها بجرأة..

رحلة الشقاء هي ذاتها رحلة الحياة ، التي تستحق المرأة / الإنسان أن تعيشها لحظة بلحظة ..

المرأة حين تشرع في الدخول في عالم الكتابة دائما ما تسأل نفسها:

  لمن أكتب ولماذا أكتب ؟

وما جدوى أن أستمر في مشوار مرعب ؟ يأخذ وجودي قبل أن أعطيه شيئا ؟!

و ما الثمن الذي سأدفعه مقابل إمساكي ورقة وقلما ؟!

إدراك المرأة بان الثمن الذي ستدفعه سيكون عظيم ، كونها ستدفع الثمن مرتين ( ثمن كتابتها – ثمن أنوثتها) ، و التواجد الدائم للحارس الاجتماعي / التقليدي / التاريخي مع كل حرف من حروفها وممارسته دوره في الترهيب قبل الحارس السياسي ،..كل هذا يجعلها تقر بطول المسافة التي ستقطعها وهي تكتب ، وبقصر المساحة المخصصة لها حين تكتب فالرقيب سيمرر سيفه على ورقتها مرتين ، ستقطع المسافة التي سيقطعها رفيقها / الرجل مرتين لن تنتهي عقبة الطريق بطولها بل ستقفر ..وستمتلئ بالجرف والأشواك ..فيستحيل فعل الكتابة عندها من فعل حياة إلى فعل مقاومة ..يتفاوت جهده بتفاوت نطاقات الظهور ، وهنا تبدأ قد رحلة عذاب أخرى: رحلة الوجود المزيف ! رحلة العذاب مع زيف الاسم وافتراضية الوجود، المنتديات الفكرية والإبداعية اليوم تزخر بمئات الأسماء المستعارة إن لم تكن قد تجاوزت الآلاف ، المدونات الالكترونية الشخصية كذلك ، بعض صفحات الصحف المحلية والتي وان لم تظهر باسم مستعار ، ظهرت باسم مطلق على عمومه لئلا يمثل شخصا بعينه ! والمؤسف – بحق – أن الكتابات التي تصدرها تلك الأسماء كتابات عميقة ، جريئة ، وكثير منها وصل لمرحلة النضج الإبداعي والفكري ، غير أنها لا تزال خارج جدار الوجود ..

السؤال الذي يطرح في الختام وبحدة أسى : هل سيأتي زمن أكثر عدلا وأكثر حرية لتمنح هذه الأسماء المكبلة خلف الأسوار كرت دخول لعوالم الوجود الحقيقي ؟! …

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “ما معنى أن تكتب امرأة ؟؟!!”

  1. أُمراء الكلام

    ملتقى يضم 1300// أمير وأميره

    http://www.omraalklam.com/vb

    ندعوكم للإنضمام لملتقى أمراء الكلام الادبي الثقافي

    فكونوا معنا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر